مجمع البحوث الاسلامية

248

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وذلك أنّهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الكعبة ، وزعم كلّ واحد من الفريقين أنّ ( البرّ ) التّوجّه إلى قبلته ، فردّ عليهم . وقيل : ليس البرّ فيما أنتم عليه فإنّه منسوخ خارج من البرّ ، ولكنّ ( البرّ ) ما نبيّنه . وقيل : كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة ، فقيل : ليس البرّ العظيم الّذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة ، ولكن البرّ الّذي يجب الاهتمام به وصرف الهمّة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال . وقرئ و ( ليس البرّ ) بالنّصب على أنّه خبر مقدّم . وقرأ عبد اللّه ( بان تولّوا ) على إدخال الباء على الخبر للتّأكيد ، كقولك : ليس المنطلق بزيد وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ على تأويل حذف المضاف ، أي برّ من آمن ، أو بتأوّل البرّ بمعنى ذي البرّ ، أو كما قالت [ الخنساء ] : * فإنّما هي إقبال وإدبار * وعن المبرّد : لو كنت ممّن يقرأ القرآن لقرأت ( ولكنّ البرّ ) بفتح الباء ، وقرئ ( ولكنّ البارّ ) ، وقرأ ابن عامر ونافع ( ولكن البرّ ) بالتّخفيف . ( 1 : 330 ) نحوه القرطبيّ ( 2 : 239 ) ، والبيضاويّ ( 1 : 97 ) . ابن عطيّة : وقوله تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ قرأ أكثر السّبعة برفع الرّاء ، و ( البرّ ) اسم ( ليس ) . قال أبو عليّ : ( ليس ) بمنزلة الفعل ، فالوجه أن يليها الفاعل ثمّ المفعول . مذهب أبي عليّ أنّ ( ليس ) حرف ، والصّواب الّذي عليه الجمهور أنّها فعل . وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص ( ليس البرّ ) بنصب الرّاء ، جعل ( أَنْ تُوَلُّوا ) بمنزلة المضمر ؛ إذ لا يوصف كما لا يوصف المضمر ، والمضمر أولى أن يكون اسما يخبر عنه . وفي مصحف أبيّ بن كعب ، وعبد اللّه بن مسعود ( ليس البرّ بان تولّوا ) ، وقال الأعمش : إنّ في مصحف عبد اللّه ( لا تحسبنّ البرّ ) . وقال ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما : الخطاب بهذه الآية للمؤمنين ، فالمعنى ليس البرّ الصّلاة وحدها ، وقال قتادة والرّبيع : الخطاب لليهود والنّصارى لأنّهم اختلفوا في التّوجّه والتّولّي ، فاليهود إلى بيت المقدس والنّصارى إلى مطلع الشّمس . وتكلّموا في تحويل القبلة وفضّلت كلّ فرقة تولّيها ، فقيل لهم : ليس البرّ ما أنتم فيه وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ . قرأ قوم ( ولكنّ البرّ ) بشدّ النّون ونصب ( البرّ ) ، وقرأ الجمهور ( وَلكِنَّ الْبِرَّ ) . والتّقدير : ولكن البرّ برّ من ، وقيل : التّقدير : ولكن ذو البرّ من . وقيل : ( البرّ ) بمنزلة اسم الفاعل ، تقديره : ولكن البارّ من ، والمصدر إذا أنزل منزلة اسم الفاعل فهو ولا بدّ محمول على حذف مضاف ، كقولك : رجل عدل ورضيّ . ( 1 : 243 ) الطّبرسيّ : قرأ حفص عن عاصم غير هبيرة وحمزة ( ليس البرّ ) بنصب الرّاء ، والباقون بالرّفع . وروي في الشّواذّ عن ابن مسعود وأبيّ ( ليس البرّ ) بالنّصب ب ( ان يولّوا ) بالياء . وقرأ نافع وابن عامر ( ولكن البرّ ) بالتّخفيف والرّفع ، والباقون ( ولكنّ البرّ ) بالتّشديد